4 القومية والدين

: كنا في بداية البحث حول القومية قد نقلنا موجز أقوال مختلفة لمفكرين لا هوتيين ورجال دين من الكنيسة عن القومية ولكننا مضطرون مرةٌ  أخرى أن نبين على وجه الدقة النزعة القومية عند الأديان وخصوصاً الدين الإسلامي من حيث هي ولاء وفلسفة وسياسة ، وإذا كانت الكتابات التي تحت أيدينا تنفي الظاهرة القومية كحالة متأصلة إجتماعياً فإنه ولا ريب النفي هو القطع التام بالعدم فذلك منطقياً غير حادث لوجود أدلة وبراهين تثبت جزئياً نفس الوجود ولكنه إثبات في الماهية وليس في الذات الجوهرية ، لأن القاعدة المنطقية لا تنفي العرضيات إذا كان لها مصاديق أولية وثانوية .

إن بعض اللاهوتيين المسيحيين أعطوا للقومية نفحة مقدسة وبأنها مخلوقة من قبل الله لكي يقدسها الوطنيون ، وقد كتب (هربرت جيبونز) في ذلك قائلاً : ( إن الخالق الكريم وضعنا في وطن معين مثلما خلقنا في عائلة معينة ) .   

أي أن الخلق ذاتاً كان تصنيفاً إلهياً اشترك الله في وضعه بصيغته المعينة ليعزز القومية عند الكافة ، ليجعل بذلك نوع من ترابط عضوي بين المصير المشترك والغاية التكوينية داخل القومية من الله اختياراً خاصاً مما جعل ( الانكليز والروس والأمريكن ) يدعون بأن الله اختارهم في العصر الحديث .

وهكذا يقولون للمواطنين : ( بأنَّ لهم الحق بأن يعتبروا أنفسهم شعب الله المختار )

وتفسيرات مطولة تدعي تدخل العناية الإلهية في صنع القومية وجاء رجال دينهم بأشياء من أمور سياسية وربطوها بالواقع الديني لتكوين القومية .

وإذا كان حال رجال الدين والفكر المسيحي ممن شجعوا بدون تردد النزعة القومية ، فرجال الفكر اليهودي عززوا أكثر الإنتماء القومي بما هو شعور داخل بنفس العقيدة (لشعب الله المختار) الذي تربطه وحدة في اللغة والتكوين النفسي والشعور الثقافي ينتهي إلى شعور قومي باتجاه الرابطة اليهودية ، وإذا كان قد خرج بعض المفكرين اليهود عن هذه الأطر فإنه خروج تفسيري وليس خروجاً عن نفس الموضوع إذ إن تاريخ الفكر اليهودي في العصر الحديث والأوسط حافل بتجربة البث الموجه لتعزيز وحدة الصف اليهودي القومي فهم يقولون : ( إن ما في الناموس حركة الإنسان لمعرفة أصل انجداره ) (1) .

ولا يغرب عن البال أن تفسيرات اللاهوتيين من رجال الفكر المسيحي واليهودي داعية إلى الإعتزاز بالنزعة القومية كونها عناية خاصة من الحضرة المقدسة .

ولكن الدين الإسلامي له مفهوم خاص عن القومية وعن الكون والحياة فهو لا يرى هناك أي تبرير يمكن جعله حجة عقلية ونقلية تغلب الإتجاه القومي وتحُسر الإتجاه الإنساني ، فالإسلام ليس رسالة خاصة لطبقة ولطائفة ولأرض وللغة خاصة إنه للمجموع وللجميع ، إنه يبني ، ويشرع ، ويصدر ، الأحكام والقوانين ضمن نفس هذه النظرة ولا يفصل بين النظرية والتطبيق ولا بين الأطروحة والممارسة ، إذ الانفصال عنده معناه تحطيم البنى الهيكلية والعقائدية للإسلام وليس ذلك شعاراً يطرح قبال وضع سياسي سائد (1) وإنما هو روح مورست كحقيقة موضوعية في حكومة الإسلام في صدره الأول .

ولكن قبل نقد القومية إسلامياً نحاول الإجابة عن السؤال التالي : لماذا تعتبر القومية مناقضة للمذهب الواقعي ؟

المذهب الواقعي هو الإستراتيجية الجامعة لكليات الأسس في التفكير العقائدي الصحيح والتوجه الإنساني ميزانياً نحو أهداف الإنسانية العليا من خلال العقل والطبيعة والدين ، وفلسفة الحياة الوجودية حسب الطبقات العقلية للضمير البشري فالعقل واتصافاته الروحية المادية والمعنوية حاكم فعلي للواقع الطبيعي وقوانينه العامة ولا يغقل أن يكون العقل موجهاً طبيعياً دونما هناك مسلمات وخطوط عريضة ترسم فعلياً حركة العقل الإدراكية وهي بمثابة عامل تحكم في ذاتية العقل المقيدة ،

وشروط التحكم ايديولوجيا منهجية لها خاصية المعرفة المطلقة بنفس الحركة العقلية مما تهئ مبدئياً طريق الحركة في أبسط الشؤون وأدقها ، وهو بلا شك العقد الدستوري بين الوظائف العلمية للثلاثية ( العقل ، الطبيعة ، الدين ) فحينما تكون أجزاء في فلسفة الوجود الطبيعي لظاهرة معينة تنتقل مفاهيمها التصورية والتصديقية إلى مجال نفس الظاهرة واقعياً ، ولو أثبتت إنتزاعاً برهاناً لصدق المفهوم فإنها عملية تمت تحت شروط داخلة في المذهب الواقعي ، ولو اختلف البرهان في التطبيق حتى مثالياً فإنها تصبح خارجة حكماً عن قبول المذهب الواقعي لشرائطها الإستقرائية ، فاحتمال الضد هو استدلال في الواقع على عكس القضية الاحتمالية وهو إثبات من جانب على صدق الإستدلال الإحتمالي لو ثبت بالبرهان أن نفس الإثبات هو سقوط لاستدلال القضية بعكس الضدّ .

ومن هنا اصبحت القومية مناقضة للمذهب الواقعي ، فالعقل لا يدرك حقيقة القومية حسب فرضياته العامة لأنه لا يبحث مورداً مخصصاً أوقضية معينة إنما يدرس جوانب كلية تشمل جميع أفراد الجنس الإنساني ، ولو أثبتت الظاهرة القومية على أنها إدراك واقعي فعلي فذلك ولا شك جهل بمصادر الحكم العقلي واستقراءاته المختلفة لجوانب الحياة ، ولأن الطبيعة هي الجو الذي يتحرك العقل بموجبه في القوانين والأحكام ولا يعقل أن يكون نفس الجو ظاهرة تدليلية على أصل ثبوت القومية ، لأن الطبيعة لا تنُزل أحكاماً تجاه قضايا يمارسها الإنسان إنما هي وعاء لممارسة الإنسان لقضاياه ، ولذا فكرة (روسو) تجاه الطبيعة القومية ، والقومية من خلال الطبيعة ، وإذا بطل موضوع القضية فالعقل هو صاحب الحكم في البطلان، وهذا بطلان من خلال الطبيعة والعقل أثبت البطلان من جانبه فيثبت أن القومية ظاهرة  تناقض أسس التفكير الفلسفي الصحيح .

أما إسلامياً ؛ فإن القومية كفلسفة وكسياسة تعتبر ملغاة لعدة اعتبارات نمر عليها بالإجمال :

1 الإسلام رسالة إلهية إنسانية تتجاوز الحدود والحواجز التي تصنعها الدول لنفسها وهو لا يعتبر الميزان تفاضلاً بالمؤهلات الخاصة بذات الأمة إنما التفاضل يدخل ضمن القانون السماوي القائل : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ــ (وكلكم لآدم وآدم من تراب )

وكون الإسلام رسالة ألهية فهو ولاريب ينتزع التعامل على أساس المزاج والعاطفة ويبني قواعدة على أسس فكرية عقائدية ثابتة ، ثم حدّد موازين ذات صلة بالحركة الإنسانية الجمعية الدالة على حُسن في التعامل ضمن مبادئ وقيم تعلو على المصلحة الشخصية فهو نظام للفكر ، وللثقافة وللفن ، وللتاريخ وللفلسفة وللإقتصاد والإجتماع وللنفس وللتكوين الطبيعي البيولوجي والطبيعي الانتربولوجي . والرابطة التي تتحكم بسير العلاقات رابطة تعلو فوق الإعتبارات المحدودة للغة والأرض والدم إذ علاقاته تستمد من التشريعات القانونية في باب الأحكام الخاصة بالفرد وبالجماعة الهادفة بتدبير على تحسين الحالة الإجتماعية ورفعها إلى المعدل الوسط كي تكون شاهدة ومبلغة في القابلية والفاعلية ، ولهذا تصبح الحياة بأجزائها الفرعية المتعددة ضمن القانون الكلي لنظرة الإسلام في التشريع والتكوين ، ولا يعتقد أن ذلك أمر لفترة زمنية سادت وضمن أعتبارات اجتماعية ونفسية في زمن معين ومكان معين لظروف طبيعية أثرت إيجابياً في مسألة السيادة تلك ، إذ إن لون اعتقاد كهذا يتعلق بتفسير لزاوية حرجة من نفس تحمل الكثير تجاه الإسلام وتجاه فلسفته العقائدية والعرفانية في المعاملات والأخلاق والسياسة والرياضة الروحية والعبادات اليومية ، فإذن لم تكن المحاولة التفسيرية إلا شعور سلبي نحو المبادئ الإسلامية الدالة على هدف مركزي في حياة الإنسانية لتحكيم العدالة والمساواة ورفع التبكيت والظلم والجور والأنانية .

2 الإسلام رسالة للإنسان في حاضره ومستقبله وماضيه ، ويعني ذلك أنها تحمل روح انبعاثها من الإنسان الذي هو القيمة الأساسية للإسلام  ، إذ وجودة على وجه البسيطة أمر حددته السماء لحاجة مثلى قائمة بذاتها على بناء نفس الوجود والأرض التي وجد عليها فالقول ( إلا ليعبدون) إنما هو تقرير قانوني لدستور الفرد في الحياة ، فالعبادة صيغة تعامل بين المطلق الكلي وبين الشئ في حركته الجزئية ، هذا المنظار وحسب قانون الطبيعة هو العلاقة بين المنشأ والمكون وهذه العلاقة إصلاحية للحاضر في قيوده وشروطه الموضوعية وللمستقبل في صورته المجسمة الواضحة وإلى الماضي بكل تاريخه وتراثه وحضارته .

إن فلسفة تاريخ الماضي تتحدث بلغة واحدة عن فلسفة الحق للإتجاه الذي يرسمه الفرد لنفسه والجماعة لنفسها باتجاه الحق المطلق (وهذا الاعتبار ليس انشاء لصيغة من فترة حياة البشرية إنما هو جعل موضوعي لنظم الحياة البشرية دستورياً ) وقد دلت الأحاديث الشريفة وكلمات العلماء المتقدمين والمتأخرين على تلك الروح المطلقة البعيدة عن التضييق الذي تحدده قوانين وفلسفات اتباع المذاهب الوضعية في طريقتهم نحو سلوك اجتماعي سياسي محض ، وتجربة التاريخ والجغرافيا شاهدة على سلوك الساسة في تغليب حق خاص قومي قبال حق الإنسانية العام .

3 الإسلام رسالة في العدل والحرية والإستقامة وفيزياء الرأي والرأي الأخر ، ويعني أن كل ما ينظر له الإسلام الحاجة الإنسانية العامة والمشتركة في كل جنس ، ويرتب القانون مع الإرادة لأنه لا يمثل الصيغة بما هي في لونها الآني إنما بضيغتها المستقبلية وعلى مر الزمن ولا بأس أن ننقل نصاً للشهيد الصدر في هذه النقطة يقول :

الله سبحانه وتعالى مطلق لا حدود له ويستوعب بصفاته الثبوتية كل المُثل العليا للإنسان الخليفة على الأرض ، وهذا يعني أن الطريق إليه لا حدّ له فالسير نحوه يفرض التحرك باستمرار وتدرجاً نسبياً نحو المطلق بدون توقف ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقية ) وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق فهي إذن ليست تكريساً للإله وإنما هي جهاد من أجل الإنسان وكرامة الإنسان وتحقيق تلك المُثل العليا ( ومن جاهد فإنما يُجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) وعلى العكس من ذلك المطلقات الوهمية والألهة المزيفة فإنها لا مكان يمكن أن تستوعب المسيرة بكل تطلعاتها لأن هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز أو حاجة الإنسان الفقير أو ظلم الإنسان الظالم فهي مرتبطة عضوياً بالجهل والعجز والظلم ولا يمكن أن تبارك كفاح الإنسان المستمر ضدها .

هذه الأسس التي ذكرناها تعتبر قيمة أساسية في الواقع الإسلامي وبالتالي تحدد الموقف الإسلامي من القضايا الإجتماعية التي لها ارتباط عضوي داخل الواقع الإسلامي

إنَّ القومية وبناء على ما تقدم من ركائز حيوية تعتبر ظاهرة غريبة مكتسبة ليس لها وجود في الإصطلاح ومن الأمور التي حُوربت لأنها تنفي رابطة الدين وتضيق مدار أفق العلاقات وتحدد الفرد ضمن مقررات تسنها ضمن حاجة خاصة لسلب الفرد حريته في العقيدة والفكر ، ولهذا كانت النظرة نحو دائرة القومية نظرة في حال الأفق النازل باتجاه الدائرة الضيقة للمفهوم الخاص بالإرداة والتفكير ، من هنا كانت النظرية القومية في الإسلام سالبة بانتفاء الموضوع ، ولكن هل القومية مرفوضة تماماً ؟

أم إن بعض مواردها ذات أثر في حركة الأمة الإسلامية ؟ قبل الإجابة على السؤال من الناحية الفعلية يقتضي التنبيه على ما يلي :

1 الانتماء صيغة وجودية متأخرة رتبة في مقام التشريع إسلامياً .

2 الإنتماء ليس مقدمة لقضية مجردة بل هو أصل ثابت له كيانه الخاص وهيكليته المعينة .

3 الإنتماء ليس مشاعر بحتة أو هموم ظرف سياسي بل هو إحساس بالمشاعر لنفس الهم وتحت كل الظروف سياسياً .

ولكن ماذا نعني بالإنتماء ؟ نعني به الترتيب السلمّي في حقيقة الوجود البشري ، وهو وجود لايعارض التشريع الإلهي في تقسيم الشرط الموضوعي وعلته اللازمة ، بل تجريد إثباتي لإخراج الأولية شعورياً في المدى الضيق للمشاعر القومية الخاصة ،التي تتعلق بالعرضيات في أسس التفكير والجعل التكويني وهذا الرأي عين ماقاله أصحاب الميزان عند تفريقهم للأمر حسب علله الإنشائية المصدرية التكوينية ، إذن إنتماء عارض بالضرورة لأن الهدف هو الذات ولما كان العارض موجوداً بوجود شرائطة الموضوعية فهو حقيقة ثانوية ترتب أثراً للموجب الإرادي في باب الأختيار للضمنية التكوينية في أسس بناء الفرد تشريعياً وتكوينياً . ونعود للإجابة :

في البداية هناك صعوبة تواجه الباحث حول إجاباته عن أسئلة تتناول موضوعاً أو جزءاً من موضوع ولكنها في النهاية تؤول إلى حالة تحكم تارة بالإيجاب وأخرى بالسلب ولكل ميل في الإجابة تعليل موضوعي للسؤال وحيثياته ، ولذا فسؤالنا في المسألة يحتاج في البيان إلى جواب قاطع ومن صُلب الحقيقة .

فالقومية كموقف سياسي تقتضيه المرحلة في نضالها التحرري أمر ترفضه العقيدة الإسلامية وتعتبره تجاوزاً على كيانها الفكري والأخلاقي ، فليس الأمر غاية تبرر الوسيلة بل إن الوسيلة جزء من الغاية إذ لا يحق استخدام الطريق القومي وصولاً إلى الهدف الإسلامي إذ ذلك تعارض بين الهدف والوسيلة يكسب خسارة في النتيجة ، ولهذا فليس باستطاعة أحد ان يبرر القومية إسلامياً .

ولو حصل التبرير فإنه ولا شك سيسبب انحسار دور العقيدة في المجتمع وتنامي دور القومية وازدهاره وهذا المبدأ يحّطم الإرداة العاملة باتجاه المصلحة الإنسانية ، إنّ تجربة عمل الدول القومية تؤكد على مبدأ تحّطم القدرات الإنسانية الخلاقة وتوحي بكثير من البراهين على فشل الظاهرة على الصعيد السياسي في كسب أبناء المجتمع وجرهم لتحقيق النوايا السياسية للقومية هذا الشعور شكل عنصر إحباط وخيبة أمل لدى أولئك الذين انجروا بدون وعي ، وأولئك زادتهم التجارب محناً إضافية للخروج من مأزق الإنسداد الذي تكبل به أفراد المجتمع ، ولهذا فالقومية كما بصورتها التي عرضناها مثلت حالة لغربة الذات في الوسط الإنساني وعلية أصبحت مرفوضة عقائدياً لأنها تقف حائلاً بين توجه الفرد وإرادته وتملي عليه قوانين خارجة عن دور الفطرة في التعامل الجمعي وبشتى الأجناس فهي ولاء طوعي لقبول مبدأ الجريمة والشر وإيجاد وسائل تبريرية في الميدان تجعل من هذا المبدأ قانوناً إلزامياً تشارك الأمة في أدائه تبعاً لحكامها ولهذا عبّر (برتراندرسل ) عن الموضع قائلاً :

( ... باعتباره مثلاً أعلى ينطوي على انعدام قوة الإبداع ، وعلى الرغبة في الخضوع لأصحاب السلطات أياً كانوا أو حكم القلة تكون حكومتهم ديمقراطية وهو اتجاه يناقض الطابع المميز لعظماء الرجال ويميل إذا بولغ فيه إلى الحيلولة دون أفراد الناس أن يبلغوا العظمة إلى الحد الذي تمكنهم منه كفاءاتهم ) (1) لقد كانت نظرية (رسل)  إلى حد كبير مقنعة وتنفي لزوم العلاقة بين الإرادة والقومية ، وهو انتفاء على ما يبدو لأولئك الذين أبدوا كثيراً من المرونة تجاه القومية التي هي باب الديمقراطية كما يزعمون ، ولقد كان (كرين برنتن) أكثر صراحة حينما قال : إنَّ القومية أصبحت أحد الأشكال العاملة والعقائد الجديدة للسيادة الشعبية والتقدم وكمال الإنسان في عالم الواقع .

إنَّ نفس النظرة كانت واضحة في ملاحظات (ثورستن فيبلن ) القائلة : بأن أي تفكيك للوحدة القومية أو إساءة للهيبة القومية ، يعني بالنسبة للشخص الإعتيادي المنهمك بمخاوفه اليومية ، خرقاً لحرياته الفردية لا يطاق ، وخرقاً للمبادئ الإنسانية التي تشكل عناصر العقيدة الدنيوية للمسيحية .

هذه الآراء تعتقد بأنَّ القومية حالة أساسية في صيانة العمل الفردي الموجه ضمن تشكيلات داخلة في الدولة ، ولكن هذه الإعتقادات جائت بشكل فرضيات غير قابلة للنفوذ إجتماعياً إذ إنها لا تدل على العقيدة التي هي صلب القومية ولم تشر من بعيد أو قريب إلى جوانب السيادة والكمال والعالم الواقعي باعتبارها حاجات زمانية يحققها التمسك بالقومية .

إننا نرفض القومية إذا كان معناها هو ( أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين ...

ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم ) (1)

فالحديث من الناحية الفعلية حدد الصفة القومية المشؤومة والمرفوضة إسلامياً على نقطتين :

الأولى : إنعدام حاسة التمييز بين الحق والباطل والإتباع الأعمى دون وجه حق لقومه ، واعتباره شر قومه مع علمه به أنه خير من خير القوم الأخرين ــ وهذا يقتضي أن تكون الايديولوجيا العقائديا والفكرية ليست هدفاً أعلى في حياته بل هي جزء إن لم نقل عدم اتجاه نفس الإنتماء القومي شعورياً .

الثانية : وهذه النقطة إكمال لسابقتها في الإبداع اللامشروع والذي يعتمد على أسُس عاطفية تحركها الميول الخاصة والمحمولة بدوافع حب القوم ، حتى لو أيقن أن قومه يمارسون الظلم تجاه الأخرين فهو وتبعاً لمذهبهم يرى  نفس الظلم حاجة ماسة وضرورية في وسط هيمنة قومه على الآخرين وذلك ناتج من إنعدام الوعي الموجه والعقائد الصحيحة والمبنية على نظرة شاملة كاملة للكون والحياة .

وأيضاً الحديث يحمل إيجاباً من طرف وهو ( أن يحبَّ الرجل قومه ) فهذا الإيجاب على ما يعتقد هو أنَّ القومية ليست تقديماً معلناً قبال العقيدة وإنما هي أندكاك في العقيدة وخاضعة لآراء وأفكار العقيدة في نظرتها اللإنسان وهذا الرأي تشاركني فيه تجربة الإسلاميين من صدره الأول  ، ولم أجد مخالفاً في البين ، وحتى لو وجدت مخالفاً فإنه خلاف لاعلى أساس النظرية في التفريع والتفسير وذلك اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ . وهذا التعليل منطقياً يمكن ان نسميه جواب الشطر الثاني من السؤال .

بقي شئ نود ذكره هو : أن العقيدة الإسلامية لا تخضع في التفسير لرأي خاص ومعين وإنما هي مشاع لجميع الناس ، وليست هي فلسفة قبال سياسة او مذهب وإنما هي جمع الجمع في العالم الاعتباري والعالم الحقيقي .