لكانت قد رأت من أمر الملكوت الاعلى ؛ فقل للباكين ممن طبعه أن يبكي من الاشياء المحزنة ينبغي أن يبكي ويكثر البكاء على من يهمل نفسه وينهك من ارتكاب الشهوات الحقية الخسيسة الدنيئة المموهة ، التي تكسبه الشره . وتميل بطبعه إلى طبع البهائم , ويدع أن يتشاغل بالنظر في هذا الامر الشريف والتخلص إليه ، ويظهر نفسه حسب طاقته . فإن الطهر الحق هو طهر النفس لا طهر البدن . فن العالم الحكيم المتعبد لبارية إذا كان ملطخ البدن باكمتة فهو عند جميع الجهال فضلاً عن العلماء أفضل وأشرف من الجاهل الملطخ البدن بالمسك ؛ ألا تعلم أن مقامك في هذا العالم إنما هو كلمة ثم تصبر إلى العالم الحقيقي فيه إلى أبد الأبدين . وأعلم أن هذه الحقيقة الالهية لا يمكن فهمها على وجه المكاشفة والعيان إلا لمن هو بعيد عن مهاوي أصحاب الشيطان وذلك للكافة أمر عسير بل وهو في حد الاستحالة على التمام . ولهذا صارت العوالم الظاهرية مقدمات في البرهان ولا هي غير محتاجة ؛ للعارف الذي إذا انفطع عن نفسه واتصل بالحق رأي كل قدرة متغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات  وكل علم مستغرقاً في علمه الذي لا يغرب عنه شئ من الموجودات . وكل ارادة مستغرقة في ارادته التي لا يتأتي عنها شئ من الممكانات . بل كل وجود كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه . فصار حينئذ بصره الذي به يبصر . وسمعه الذي به يسمع . وقدرته التي بها يفعل . وعلمه الذي به يعلم . وودوده الذي به يوجد . فصار العارف جينئذ متخلقاً بأخلاق الله بالحقيقة ؛ لأنه إذا تجلى الله سبحانه بذاته لاحد يرى كل الذوات والصفات والافعال متلاشية في أشعة ذاته وصفاته , وأفعاله يجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنها مدبرة لها وهي أعضاؤها لا يلم بواحد منها شئ إلا ويراه ملماً به . ويرى ذاته الذات الواحدة وصفته صفتها . وفعله فعلها لا ستهلاكيه بالكلية في عين التوحيد . ولما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال استتر نور العقل الفارق بين الاشياء في غلبة نور الذات القديمة . وارتفع التميز بين القدم والحدوث لزهوق الباطل عند مجئ الحق . ويسمي هذه الحالة جمعاً . ولصاحب الجمع ان يضيف إلى نفسه كل أثر ظهر في الوجود . وكل صفة وفعل واسم لانحصار الكلي عنده في ذات واحدة . فتارة يحكي عن هذا ةتارة عن حال ذاك ولا نعني بقولنا قال فلان بلسان الجمع إلا هذا ؛ ولعل هو السر في بيان حقيقة المروي باسناد عن اسحق بن عمار قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : أن رسول الله (ص) صلى باناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفراً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله )ص) كيف اصبحت يافلان ؟ قال أصبحت يا رسول الله مؤقتاً ، فعجب رسول الله (ص) من قولة وقال : ان الكل يقين حقيقة في حقيقة يقينك ؟ فقال : ان يقيني يا رسول الله هو الذي احزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري . فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك .

وأنا فيهم وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الحنة ويتعارفون وعلى الارائك متكئون . وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون . وكأني الآن أسمع زفير النار يدوي في مسامعي . فقال رسول الله (ص) لاصحابه : هذا عبد نور الله قلبه للايمان ، ثم قال له : ألزم ما أنت عليه .  والظاهر ان مراده من ألزم ما أنت عليه إنما هو حكاية عن أمر في تثبيته فليس بالميسور التخلي عن تلك الدرجة العالية من اليقين . إذ كون الوصول باتجاهها فعل شاق . وممارسة طولانية . لذلك فالثبات فيها هو عنصر الكمال الانساني ؛ لنها منتهى آمال النفوس في النفوس في العوالم الثلاثة ، ولأن امكان الانتقال من تلك المرتبة إلى ما دون ثم أدون جارية في تقلبات النفس وانزوائها عن ممارسة دور الارتقاء في حركة اصحاب اليقين الدنيوية ، ولذا فتمام سر الوجود قائم في محل الحالة الثانية ، التي هي رشحات من ذات الكمال وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ، ومنها تعلم أنه لا استحالة في امكانية وقوع المخالفة . وهي بذاتها فطنة الفعل المتردد والغير ثابت . ولكنه عند من هم دائبون في قوله :

[ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب ] . فلا امكان عندهم مع الفعل الدائم لوقوع المخالفة . فالعلم بالرحمة علم بثبوت فعل الهداية . لما كان وجوده ثابت بفعل ثبوت علائقه التامة . لأنه بالعلم الفطري ثابت انه ؛ قد تهب من عالم القدس نفحة من نفحات على قلوب صحاب العلائق الدينية والعلائق الدنيوية . فتقطر بذلك مشام أرواحهم وتجري روح الحقيقة في رميم اشباحهم . فيدركون الانفاس الجسمانية . ويذعنون بخساسة الانتكاس في مهاوي القيود الهيولانية . فيميلون إلى سلوك مسالك الرشاد . وينتبهون من نوم الغفلة عن البدء والعاد . لكن هذا التنبيه سريع الزوال ووحي الاضمحلال . فيا ليته يبقى إلى حصول ألهية تميط عنهم أدناس عالم الزور وتظهرهم من ارجاس دار الغرور ، ثم انهم عند زوال تلك النفحة القدسية وانقضاء هاتيك النسمة الانسية . يعودون إلى الانعكاس في تلك الادناس ؛ ولعلة كأن الشاب خاف من زيغ القليب وروال النعمة . فرأى أن خروجه من الدنيا مع ذلك النور الالهي أفضل وأحب إليه من البقاء فيها مع خوف زاوية . فاستحب الاول على الثاني . وإذا كان ذلك هو الانفعل مع الفعل فالواقع انه مكتسب وفطري . ولذلك هو غاية في ذاته كلزوم الدوام . أو الفعل في مواصلة الارتقاء على الدوام . وذلك صورة الحقيقة الانسانية إذ ؛ أن الاسم الله مشتمل على جميع الاسماء . وهو متجل فيها بحسب مراتبه . فهذا الاسم الالهي بالنسبة إلى غيره من الاسماء اعتباران ؛ اعتبار ظهور ذاته في كل واحد من الاسماء . واعتبار اشتماله عليها كلها من حيث المرتبة الالهية ، فبالاول يكون مزاهرها كلها مظهر هذا الاسم الاعظم . لأن الظاهر والمظهر في الوجود شئ واحد . لا كثرة فيه ولا تعدد في العقل يمتاز كل منهما عن الآخر كما يقول أهل النظر بأن الوجود عين المهية في الخارج . وغيره في العقل فيكون اشتماله عليها اشتمال الحقيقة الواحدة على أفرادها المتنوعة ، وبالتالي يكون مشتملاً عليها من حيث المرتبة الالهية . اشتمال الكل المجموعي على الاجزاء التي هي عينه بالاعتبار الاول ن وإذا علمت هذا علمت أن يكون أن حقائق العالم في العلم والعين كلها مظاهر للحقيقة الاساسية . التي هي مظهر للاسم الله . فأرواحها أيضاً كلها جزئيات الروح الاعظم الانساني . سواء كان روحاً فلكياً أو عنصرياً أو حيوانياً . وصورتها صورة تلك الحقيقة ولوازمها . لذلك يسنى العالم المفصل بالانسان الكبير عند أهل الله لظهور الحقيقة الانسانية ولوازمها فيه . ولهذا الاشتمال وظهور الاسرار الالهية كلها فيها دون غيرها استحقت الخلافة من بين الحقائق كلها ،  فأول ظهورها في صورة العقل الاول الذي هو صورة الذي هو صورة اجمالية للمرتبة العمائية المشار إليها في الحديث الصحيح عند سؤال الاعرابي اين طان ربنا قبل أن يخلق الخلق ؟ قال (ع) : كان في عماء  ما فوقه هواه ولا تحته هواء لذلك قال (ع) : اول ما خلق الله نوري وأراد به العقل كما أيده بقوله ك اول ما خلق الله العقل ثم في صورة باقي العقول والنفوس الناطقة الفلكية وغيرها وفي صورة الطبيعة والهيولية الكلية . والصورة الجسمية البسيطة والمركبة بأجمعها ، قال أرسطو في الميم العاشر من كتابه المعروف باثولوجيا ــ الواحد المحض هو علة الاشياء كلها وليس كشئ من الاشياء بل هو بدأ الاشياء وليس هو الاشياء بل الاشياء كلها فيه ، ويظهر ان المدلاك لايدرك شيئاً إلا بما في قوة ادراكه دائماً يكون من جنس مدركاته بل هي عينها ، فالحس لاينال إلا المحسوس ولا الخيال إلا المتخيل ولا العقل إلا المعقول قد لا يدرك النور إلا النور ــ ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور . ولذلك قيل الانسان الكامل لابد ان يسري في جميع الموجودات كسريان الحق فيها ، وذلك في السفر الثالث الذي من الحق إلى الخلق بالحق وعند هذا السفر يتم كما له وبه يحصل له حق اليقين ، ومن ههنا يتبين أن الاخرية هي عين الاولية ويظهر سر هو الاول والآخر والظاهر والباطن . وهو بكل شئ عليم ؛ ذكر ابن العربي في المقام القطبي من فتوحاته : إن الكامل الذي أراد الله أن يكون قطب العالم وخليفة الله فيه إذا وصل إلى العناصر مثلاً في السفر الثالث . ينبغي أن يشاهد جميع ما يريد ان يدخل في الوجود من الافراد الانسانية إلى يومم القيامة . وبذلك الشهود أيضاً .

لا يستحق المقام حتى يعلم مراتبهم أيضاً فسبحان من دبر كل شئ بحكمته وأتقن كل ما صنع برحمته . أي أن الوجود بكل صفاته قائم بوجود الكل . الذي هو الموجود الاول المنظور له بالعقل . لأنه أزاء ذلك لايصير ممتنع بل واجب بذاته . لكونه معتبر بالصحة لوجوده على التصور العام مما يكون هو الفيض الذي قياسه على الكل من حدوده العامة . والذي يتبادر كما في كل الوجودات . إن ما نطلق عليه بأسم الوجود المحض هو خلاصة عالم الارواح والنفوس ، وعلاقته أنه موجود بذاته . ولكنه مفهوم بالتصور الذي نطلقه على كل الحقائق المترشحة منه . وهو يمثل مرتبة الصفاء والعلو .اما كونه كذلك فلآنه مبدأ الفيوضات النورية بالكلية . وهي التي تنقل جميع التصورات من حالاتها التعددية إلى الجمع الكلي . بحيث تصبح واحدة بإزائها لأنها بالقوة كذلك فما يتبعه من الفعل إنما هو ايضاً كذلك ولكنه فقط يخضع لقانون الجمع المتصور . والذي يمر بأدوار تارة فيصير امام العيان جوهر الماهيات المتعددة مع أنه ليس كذلك كما تعلم ، وهذا الأمر لا تحققه بالخيال والحس والمثال حتى الموضوعي منها . لانها هنا تجري مع الاحساس والخيال والمثال على طبعه المخلوق . واماماً نحن فيه فهو شهود وكشوف عالمها العقلي ، تمام العوالم الثلاثة وليس هو مصداقها ، بل هو الجوهر أي أنه الذات غلتي تصدق فيه دورية العوالم بما هي ممكنة في الذهن . والذي يحتمل ليس الحس بل هو ذلك الوجود الحقيقي الذي نعيه بوجوده الكلي . والذي يرمز لكل قضية في حدود لتصبح المتجوهرات فيها تجوهر تام . لانها لا تنفصل عن الكبرى . ولو امكن مجرد الانفصال بمستوى الوجود لكان التجوهر فيها تجزئي وذلك محال بالاعتبارين العقلي والنفسي أو هما معاً . والذي نريده ان لا نجعل هوة التصور بينهما كما لو كان لكل منهما عالمه الخاص ، الذي لايحيد عنه بحيث لايتصور اشتراك فيهما . ولو لنفس الجعل الاعتباري الذي هو حقيقة مصداقية لانهما يشتركان بأصل الوجود والعلائق الدينية والدنيوية فيهما هي ذاتها لذلك فاعتبار الواحد منه غير مكمل للثاني فيه محالية مفهومية وهذا ما يظهر في قول عيسى (ع) حينما قال : : لا تقولوا العلم في السماء من يصعد فيأتي به ولا في تخوم الارض من ينزل فيأتي به العلم مجهول في قلوبكم تأدبوا بين يدي الله بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين يظهر من قلوبكم حتى يعصيكم ويغمركم ؛ ولتعلم ان النفس بالاعتبار الاول نظرية وبالاعتبار الثاني عملية . لان لها باعتبار تأثرها عما فوقها من المبادئ باستفاضتها عنها ما نتكمل به من التعقلات قوة تسمى نظرية . ولها اربع مراتب وأن لها باعتبار تأثيرها في البدن لتفيد جوهره كمالاً تأثيراً اختيارياً قوة اخرى تسمى عملي ولها ايضاً اربع مراتب على أن هذا الكمال الذي يحصل للبدن بسببها في الحقيقة تعود إليها لان البدن آلة لها في تحصيل العلم والعمل ؛ ولقد اشار بعض اساتذتنا إلى هذه النواحي قائلين ؛ أما مراتب القوة النظرية فلأن النفس في مبدأ الفطرية خالية عن العلوم كلها . لكنها مستعدة لها وإلا لامتنع اتصافها بها . وحينئذ تسمى عقلاً هيولانياً تشبيهاً لها بالهيولي الخالية في نفسها عن جميع الصور القابلة اياها . ثم إذا استعملت الآتها اعني الحواس الظاهرة والباطنة حصل لها علوم أولية . واستعدت لاكتساب النظريات وحينئذ تسمى عقلاً بالملكة لآنها حصلت لها بسبب تلك الاوليات ملكة الانتقال إلى النظريات ثم رتبت العلوم الأولية وأدركت النظريات النظريات وحصلت لها ملكة الاستحضار بحيث تستحصرها متى نشات من كسب جديد ، لاجل تكرار الاكتساب . لكن لا تشاهدها بالفعل . بل صارت مخزونة عندها فهو العقل بالفعل لحصول قدرة الاستحضار للنفس بالفعل . وإذا استحضرت العلوم مشاهدة اياها تسمى عقلا مستفاداً لآن النفس لانسانية في آخر المراتب تصير عقلاً لكن لافعالاً للكمالات بل عقلاً منفعلاً بحسب قبول الكمالات من العقل الفعال ؛ وأما مراتب القوة العملية فأولها تهذيب الظاهر بأستعمال الشرايع النبوية والنواميس الالهية وهذه المرتبة عندهم التجلية ، أي أن تورد النفس قواها واعضائها بالمراقبة الكاملة تحت انقياد الاحكام الشرعية والنواميس الألهية . واطاعتها فتطيع أوامر الشرع وتجتنب عن المناهي حتى يظهر آثار الطهارة الظاهرية في الظاهر أعني البدن . ويحصل للنفس أيضاً على التدريج ملكة التسليم والانقياد المسلوك إلى طريق الحق تعالى . والمتكفل لحصول هذه المرتبة هو علم الفقه ، وثانيها تهذيب الباطن عن الملكات الرديئة ونقض اثار شواغله عن عالم الغيب . وتسمى هذه المرتبة التخلية أي ان يعرض النفس عن المضار الاجتماعية والانفرادية ومفاسدهما . يحذر من عواقبهما الوخيمة دنيوية واخروية كالحسد والحرص والكبر والعجب وغيرها من الاخلاق الرذيلة . ورفضها عن النفس بمنزلة علاج البدن من الامراض الجسمانية .