الأزمة الخامسة

 

قالوا : أن دعوة أهل الكوفة ومبايعتهم للإمام الحسين (ع) تشبه مبايعة واجتماع الناس للإمام علي (ع) .

وقالوا : أن الإمام الحسين (ع) يعلم بأن أهل الكوفة ليسوا ثقة وأعتماد . فأصحاب القول الأول يعتقدون أن الحجة كانت ملزمة للإمام الحسين (ع) لقبول دعوة أهل الكوفة من أجل تشكيل الحكومة ، وأن الإمام (ع) مكلف أن يقبل تلك الدعوة ويتحرك على أساسها وهذه عباراتهم :

1 أن الكوفة كانت في الأصل معسكر للجند ، ، وأن أهلها قد دعوا الإمام (ع) ، ولم تكن دعوتهم تتمثل بشخص أو أثنين أو ألف أو خمسة آلاف ، ولا حتى عشرة آلاف ، فلو قلنا أن المعدل التقريبي كان مئة ألف رجل ممن كتب للإمام (ع) يدعوه ، وفي هذه الحالة ماهي وظيفة الإمام (ع) تجاههم ؟ وكيف يمكن أن يجيب على دعواتهم ؟  فالحجة بهذا المقدار قد ألزمته ...

2 إن الإمام الحسين (ع) في هذه الحالة يشبه وضع الإمام علي (ع) بعد مقتل عثمان وأجتماع الناس على بيعته ، فلما تمت الحجة عليه ، قال : لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر لألقيت حابلها على غاربها ولسقيت أخرها بكأس أولها ... ومعنى قول الإمام علي (ع) هذا ؛ لأنه بعد أن قتل عثمان تراكم الناس على بيعتي ونصرتي ، ولما رأيت الأمر بهذه الصورة فإن الحجة قد ألزمتني لقبول الخلافة كي أصلح ما فسد بمساعدة هؤلاء الناس ، وأن وضع الإمام الحسين (ع) كان يشبه وضع أبيه (ع) من هذه الناحية ، فأهل الكوفة دعوه للبيعة ولتشكيل الحكومة ، وأظهروا الأستعداد على نصره ، وهذا كاف في أن الحجة قد ألزمت الإمام (ع) بقبول دعوتهم والتحرك إليهم .

ملاحظة ؛ إن الحجة قد ألزمت الإمام علي (ع) في الحالة التي كان الإمام (ع) يأمل أنه بمقدوره وبواسطة هذه الجموع للبدء في الإصلاحات ، وأنه لو لم يقبل ذلك لأصبح مسؤولاً أمام الله سبحانه وتعالى ، وتحت ظل مسئلته القائلة ، لماذا لم تقبل الخلافة في حين يمكنك أن تقوم بالإصلاح لما فسد من امور الخلافة ؟ وقطعاً لا يمتلك الإمام (ع) جواباً شافياً ، وهذا يعني ان الحجة قد تمت على الإمام (ع) . ولكن لو لم يعتمد الإمام (ع) على هذه الجموع من الناس ، وليس لديه أمل بأن لهذه الجموع قدرة على مساعدته في الإصلاح ، فإنه في الحالة تلك لاتكون الحجة قد تمت على الإمام (ع) ، وأنه لن يكون مسؤولاً امام الله ومسائلته لعدم  قبول الخلافة . وفي الحالة هذه يمكنه القول ، إني لم أقبل الخلافة لأني كنت على ثقة بأن هذه الجموع لا تستطيع مساعدتي في الإصلاحات التي أنوي القيام بها ، وبالتالي فإني لست مسؤولاً امام الله ولا حجة له عليَّ . إذا تم هذا فنقول ؛ أن تشبيه وضع الإمام الحسين (ع) في تلبية دعوة أهل الكوفة بوضع الإمام علي (ع) تشبيه صحيح ، لأنه من اللازم أن يقبل دعوتهم لأنه كان يأمل بنصرتهم ومساعدتهم لتشكيل الحكومة  ، وهذا يعني قولهم ؛ بأن مسلم بن عقيل ذهب إلى الكوفة ليأخذ البيعة من أهلها ،   وفي هذا الصدد قالوا : أن أهل الكوفة دعوا الإمام (ع) عندما أمتنع عن بيعة يزيد وأظهروا الجد في نصرته وتوالت عليه كتبهم في ذلك ، وقد اخبره مسلم أيضاً بأستعدادهم لتشكيل الحكومة والوقوف معه ، وهذا القول صحيح وغاية في المتانة ، ولكنهم يقولون ما يناقض ذلك كقولهم :

أن الإمام الحسين (ع) كان منذ البداية يعلم بعدم أستعداد أهل الكوفة لنصرته ، وأنهم اناس تمردوا على النفاق ، وأنه لم يكن مطمئناً لهم مطلقاً .

هذا القول يناقض القول السابق ويدحضه فحينما يقال ؛ أن الحجة ألزمت الإمام علي (ع) في الوقت الذي كان يأمل بنصرة الناس له بالإصلاح ، وأن وضع الإمام الحسين (ع) يشبه وضعه لأن الحسين (ع) أعتمد على أهل الكوفة بنصرته في تشكيل الحكومة  . فلو قيل أن الإمام الحسين (ع) لم يكن يعتمد على أهل الكوفة في نصرته على تشكيل الحكومة فإن هذا القول لا يشبه في معناه وضع الإمام علي (ع) ، وهذا معناه أن يقبل القائلون بذلك  التشبيه أو يقبلوا ان الإمام الحسين (ع) كان يأمل بنصرة اهل الكوفة له ، كما كان يأمل الإمام  علي (ع) نسبة بالناس الذين بايعوه ، إذن فالتناقض حاصل بين القولين ، ولابد من رفع ذلك التناقض ، فمن جهة نحن نرجح التشبيه في الحالة بين الإمام على (ع) والإمام الحسين (ع) ونراه تشبيهاً صحيحاً ، وأن الإمام الحسين (ع) كان يأمل بنصرة أهل الكوفة ، كما كان الإمام علي (ع) يأمل بنصرة الناس له في إصلاحاته ، والشواهد من التاريخ على ما نقول كثيرة منها :

1 إن الإمام الحسين (ع) بعث مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليستقرئ وليتحقق بنفسه عن المعلومات ، والوضع في الكوفة عن الكمية والكيفية التي دعا بها اهلها الإمام (ع) حتى يمكن للإمام (ع) أن يقرر على ضوء تلك التحقيقات ما إذا كان يعتمد عليهم أم لا . ومسلم بن عقيل بدوره قام بتحقيقات واسعة ومفيدة ، وعلى كافة الصعد ، ثم كتب للإمام (ع) يقول : إن الرائد لا يكذب أهله إن جمع أهل الكوفة معك ، فأقبل حين تقرأ كتابي (1) ومما لا شك فيه أن هذه الأخبار عن الإمام (ع) تعتبر مورد أهمية ، لأنه لم يبعث مسلم إلى الكوفة إلا وهو يعتمد  على قوله وتشخيصه ، فمسلم ليس متهماً  بعدم الدقة أو الفظنة أو الكياسة والحلم ، وإن الإمام (ع) إنما تحرك بعد هذا الكتاب إلى الكوفة ، وهذا دليل على أنه كان يعتمد على أهل الكوفة .

2 وإن الإمام (ع) كان قد بعث برسالة إلى اهل الكوفة وهو في وسط الطريق بين فيها ثقته بهم ، وإعتماده عليهم حيث قال  : فإن كتاب مسلم بن عقيل جائني يخبر فيه بحسن رأيكم وأجتماع ملئكم على نصرنا ، والطلب بحقنا ، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع ، وأن يثيبكم على ذلك . فإذا قدم  عليكم رسولي ، فأنكمشوا في أمركم ، وجدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه (1) وواضح أن الإمام (ع) كان مسروراً بنصرة أهل الكوفة له ، واستعدادهم لذلك ، وأنه بناء على ذلك قادم إليهم ، ولولم يكن الإمام (ع) يعتمد عليهم فإنه لن يكون لهذا الكلام أي معنى .

3 وإن الإمام (ع) كان قد خاطب الحر وأصحابه مرتين قائلاً لهم : أيها الناس أني لم آتكم حتى آتتني كتبكم ، وقدمت عليَّ رسلكم ان أقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم (2) .

وهذا الكلام يوضح بجلاء ان الإمام (ع) تحرك من مكة إلى الكوفة بناء على دعوة اهلها ، وإذا لم يكن الأمر كذلك ولم يلتزموا بعهودهم ومواثيقهم فإنه سينصرف إلى المكان الذي جاء به ، وهذا القول ليس على سبيل الحكاية بل كان أمراً واقعياً .

4 ولما أسر مسلم بن عقيل وعلم أنه سيُقتل قال لعمر بن سعد : أبعث إلى الحسين (ع) من يرده فإني قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه ولا أراه إلا مقبلاً (3). وهذا يعني أن مسلم بن عقيل كان يؤمن بأن الإمام الحسين (ع) سوف يتحرك إلى الكوفة لأنه كان قد أخبره عن حال أهلها ، ومسلم بن عقيل هو الأكثر إلتصاقاً  وعلماً بأهداف الثورة الحسينية من أي واحد يعيش في القرن الرابع عشر الهجري .... مما مضى من شواهد يتبين ان وضع الإمام الحسين (ع) شبيه بوضع الإمام علي (ع) وهذا التشبيه لازمه أن يكون الإمام الحسين (ع) يعتمد على اهل الكوفة ، كما أعتمد الإمام علي (ع) على الناس في بيعته .

وعليه فلا مكان يبقى لقولهم ؛ إن الإمام الحسين (ع) لا يامل بنصرة أهل الكوفة ، ولا يعتمد عليهم ، لأنه لو لم يكن يعتمد عليهم فإن الحجة لا تلزمه ولا دليل شرعي وعقلي يدفعه للتحرك سواء أكانت لديه قوات ام لا ، لأن الحكم في الأثنين واحد ، وإن الإمام (ع) غير مكلف بالتحريك نحو الكوفة لتشكيل الحكومة فيها ، يقول أمير المؤمنين (ع) حول قضية السقيفة ومانتج عنها فرأيت أن الصبر على هاتان أحجى فصبرت ، وفي العين قذى وفي الحلق شجا أرى تراثي نهبا. (4) فالإمام (ع) لم يقم بالأمر بعد أن رأى إنه لا أمل له بالنصر . ومن أجل ذلك حل له القعود عن المطالبة بالحكم ، ومن هذا يظهر أن الإمام الحسين (ع) في تحركه كان يأمل بنصرة اهل الكوفة له ، ولولم يكن لديه ذلك الأمل لما تحرك من رأس ، لأنه لايمكن ان يتحرك إلى قوم لا يعتمد عليهم ، وأنه لو تحرك وهم كذلك وخسر ، فإنه يصبح مسؤولاً أمام الله سبحانه وتعالى ويكون مورد مسائلته عن الكيفية والماهية التي تحرك من أجلها ما دام لم يعتمد عليهم ، ولكنه إذا كان يعتمد عليهم ، فحتى لو خسر المعركة لن يكون مسؤولاً أمام الله ، لأنه في الحالة هذه سيكون جوابه ؛ أني تحركت أعتماداً للحد المعقول والمتوفر من الأمل بالنصر ، وهذا الجواب في حد ذاته حجة معقولة ومقبولة شرعاً وعقلاً .

الإمام علي (ع) عندما تحرك إلى صفين لمعاقبة معاوية ، كان يعتمد على قواته بتحقيق النصر ويأمل بذلك ، وأنه وأن لم يحقق أهدافه ، فإنه لن يكون مسؤولاً امام الله ، لأن حجته قائمة بأن الأمل في النصر كان متوفراً بالحدود الممكنة والمعقولة ، ولكن لو كان العكس وتحرك ولم يكن يأمل بالنصر ، فإنه سيكون مورد تساؤل ومسؤولية أمام الله ، لأنه يكون قد تحرك وهو لا يثق بقواته وإذا كان كذلك فلا حجة له أمام الله لكي يعرضها تبريراً لموقفه وتحركه ، ومن هنا يظهر عقم قول القائل ، إن الإمام الحسين (ع) تحرك إلى الكوفة وهو لا يثق بنصرة أهلها له ، لأن هذا القول يجعله تحت طائلة التساؤل امام الله إذاً لماذا يتحرك إليهم وهو لا يثق بهم ؟

وفي هذه الحالة لا حجة للإمام (ع) أو دليل يعرضه تبريراً لذلك . وهذا يخالف مقام شخصيته الكبيرة كما هو معلوم عند البيانين .

لاريب أن الأطمئنان والوثوق حجة مقبولة ومقررة ، وإن صحة الألتزام من خلالها يمثل عصب العملية الحياتية ، فهذا أمير المؤمنين علي (ع) أعتماداً على الثقة والأطمئنان النفسي الحاصل عنده ، نصب رجالاً في الدولة حكاماً وولاة ، ولدينا من الشواهد التاريخية كما يؤكد على ذلك منها :

1 إن الإمام (ع) جعل المنذر بن الجارود العبدي حاكماً على أستخر ، وبعد مضي فترة من الزمن وصلت للإمام (ع) أخبار مفادها أن واليه يخونه في بيت المال فكتب إليه يقول : أما بعد فإن صلاح أبيك غرني منك وظننت إنك تتبع هديه وتسلك سبيله (1)

2 وإن الإمام علي (ع) جعل عبد الله بن عباس حاكماً على البصرة ، وما يليها من المناطق ، ولكنه بعد فترة من الزمن وصلته أخبار بأن واليه على البصرة قد أختلس اموالاً من بيت مال المسلمين ، وأن أبن عباس أرسل تلك الأموال إلى الحجاز ، فكتب إليه أمير المؤمنين (ع) كتاباً شديداً قال فيه : فإني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي ، ولم يكن في أهلي رجلٌ أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الإمانة إليَّ ... فعاجلت الوثبة ؛ وختطفت ما قدرت عليه من اموالهم المصونة أختطاف الذئب ، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه .. فأتق الله وأرده إلى هؤلاء القوم اموالهم ، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ، ولأضربنك بسيفي . ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ...الخ (1) يشدد هنا أمير المؤمنين (ع) على أهل المسؤولية لأنه كان يثق بهم ويطمئن لعملهم ، وهذا الأطمئنان هو الذي  يجعله مطمئناً في محاسبته للمسؤولين ، إذن فالأطمئنان حجة عقلية مقبولة ومقررة ومعتمدة في كثير من الأعمال والموارد ، والتاريخ على ما نقوله شهيد ، فهذا نهج البلاغة يضج بصور من ذلك كثيرة أعرضنا عنها خوف الأملال والإطالة ولمن أراد  مزيد البيان فعليه بمراجعة بسيطة إلى أدب الحكم والسلطان في رسائل أمير المؤمنين (ع) .

أمر رسول الله (ص) في معركة أحد أن يستقر خمسون من الرماة على تلال عينين بقيادة عبد الله بن جبير ، وأمرهم النبي (ص) قائلاً أن : أحموا لنا ظهورنا ، فإنا نخاف ان نؤتى من ورائنا ، وألزموا مكانكم ولا تبرحوا منه ، وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم ، فلا تفارقوا مكانكم ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدافعوا عنا ... وأرشفوا خيلهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل ، فلما أنهزم المشركون وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا حتى أجهضوهم عن العسكر ، ووقعوا ينتهبون العسكر ، قال بعض الرماة لبعض : لم تقيمون هاهنا في غير شئ ؟ قد هزم الله العدو ، وهؤلاء أخوانكم ينتهبون عسكرهم ، فأدخلوا عسكر المشركين فأغتنموا مع أخوانكم ، فقال بعض الرماة لبعض : ألم تعلموا أن رسول الله (ص) قال لكم : أحموا ظهورنا فلا تبرحوا مكانكم ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا ، أحموا ظهورنا .

فقال الأخرون : لم يُرد رسول الله (ص) هذا ، وقد أذل الله المشركين وهزمهم ، فأدخلوا العسكر فأنتهبوا مع أخوانكم ، فلما أختلفوا خطبهم اميرهم عبد الله بن جبير ..ثم أمرهم بطاعة الله وطاعو الرسول فعصوا وأنطلقوا ، فلم يبق من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا نفر يبلغون العشرة ، فلما أنصرف الرماة وبقي من بقي نظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة اهله ، فكر بالخيل وتبعه عكرمة في الخيل فأنطلقا إلى بعض الرماة فحملوا عليهم ، فراموا القوم حتى أصيبوا ...فقاتلهم عبد الله بن جبير حتى قتل (2)

وأستطاع خالد أن يلحق بالمسلمين هزيمة كبيرة قتل فيها أكثر من سبعين رجلاً من المسلمين ، وقد جرح فيها رسول الله (ص) :

من هذه القصة يتضح إن رسول الله (ص) كان مطمئناً لوضع المعركة من خلال الرماة الموجودين على تلال عينين ، فلو ألتزم الرماة بأوامر رسول الله (ص)  لما تمكن العدو من مهاجمتهم من الخلف ، ولكن الرماة خالفوا أوامر النبي (ص) وتركوا المكان المأمورين بحمايته ، وجاؤوا مع غيرهم يجمعون الغنائم ، مما ألحق بالإسلام ما كان ينبغي أن يكون ؛ فلو سُئل رسول الله (ص) لماذا فعلت ذلك ولم تفعل شيئاً يحد من هذه الخسارة  ؟  لكانت حجة رسول الله (ص) هي ؛ أني فعلت كل أمر لازم ، وأمرت الرماة بعدم ، ترك مكانهم ، وأني كنت مطمئناً لذلك . وهذا الأطمئنان والثقة كان أملي بأن لا يقع شئ مما كان ، وصحة العمل بالأطمئنان هي ألتزام الرماة بأوامر رسول الله (ص) ، وعدم ترك مكانهم وهذا دليل كاف فيما نحن فيه ، ولكن لو أفترضنا ان رسول الله (ص) لم يكن يرى في الرماة القدرة على تأدية واجبهم ، وأنه لم يكن مطمئناً لهم ، فهل يستطيع أن يجيب رسول الله (ص) على التسائل السابق ؟ كلا ، لأنه من البداية يعلم أنهم لا يستطيعون تنفيذ اوامره وبالتالي فلا يطمئن لعملهم .

وهذه الممارسة الطبيعية من قبل النبي (ص) هي عمل مشروط بالأطمئنان بحيث يطمئن عليه بالصحة والبطلان ، هو نفس ما قام به الإمام الحسين (ع) تجاه دعوة أهل الكوفة ، فتحركه (ع) كان قائماً على الوثوق والأطمئنان بصحة الدعوة واستعداد القوم وهذه قرائن أكيدة تلزم الإمام (ع) بوجوب التحرك ، بل هي حجة عقلية مقررة ومقبولة ...

هناك سؤال يطرح بإلحاح يقول : ما هي العلة في دعوى من يقول ان الإمام الحسين (ع) لم يعتمد على اهل الكوفة ؟

إن الأصل الذي يمكن تأسيسه كأجابة على السؤال هو : أن أهل الكوفة لم يختبروا بعد جيداً ، ولو ألتزمنا بهذا السؤال لوجب أن نعترف بصحة آراء أبن عباس في أهل الكوفة ، وأن رأيه فيهم كان أدق من رآي الإمام (ع) وهذا كما ترى تعد واضح على شخصية الإمام (ع) . نعم إن الأستعراض المقبول لم يحصل لأهل الكوفة حتى يمكن أن نقول ما إذا كان رآي الإمام (ع) أصوب من رآيي ابن عباس ، فالإمام (ع) قبل أن يصل إلى الكوفة وقع في الحصار العسكري الذي قطع عنه كل الأتصالات المرجوة مع الكوفة ، والأمر الذي لا يشك فيه أن بعض أصحابه قالوا له بعد سماع خبر مقتل مسلم ؛ والله ما انت مثل مسلم ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع . فقتل مسلم ليس ملاكاً للأخبار ، فلو أفترضنا ان الإمام (ع) تمكن من الوصول إلى الكوفة ودخولها ، وأن أهل الكوفة عملوا على خلاف رغبته ، فلا يكون مثلهم إلا كمثل الرماة الذين أمرهم رسولالله (ص) على تلال عينين الذين خالفوا أمر رسول الله (ص) ، وهكذا الأمر في قضية التحكيم في صفين ، وعليه فلا وجود لسبب يمنع الإمام (ع) من الإعتماد على أهل الكوفة ، بل الأسباب والعلل كلها قرائن تدفعه للإعتماد عليهم ، وما في مقولات أهل الميزان ما يدل على ما ذكرناه وقررناه ...