بحث في حدود العلاقة :

جاء في تاريخ الطبري عن القاسم بن الاصبغ بن نباته نقلاً عن شاهد عيان وقد أعتمده جمع من العلماء ، مع أختلاف بسيط ورد في نقل هذه الحادثة . وسنذكر ما كتبه الشيخ المفيد مع ذكر الإسماء مع صفحاتها التي ذكرت هذه القصة ، قال المفيد .. ( .. وحملت الجماعة على الحسين فغلبوه على عسكره واشتد به العطش فركب المسناة يريد الفرات ... فأعترضه خيل بن سعد وفيهم رجل من بني دارم فقال لهم : ويلكم حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكنوه من الماء ، فقال الحسين : اللهم أظمأه  فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه فأنزع الحسين السهم وبسط يده تحت حنكه فأمتلأت راحتاه من الدم فرمى به ثم قال : اللهم أني أشكوا إليك ما يفعل بأبن بنت نبيك ثم رجع إلى مكانه وقد أشتد به العطش .. ) (1) أصل القضية نقلها الطبري في الجزء الرابع ص  343 من تاريخه عن هشام الكلبي وهذا قد نقلها عن أبيه محمد بن السائب الكلبي وهو نقلها عن القاسم بن الاصبغ بن نباته عن شاهد عيان ، والقضية وردت في التسع مصادر التي ذكرناها في الهامش مع أختلاف يسير في عبائر النقل والأختلاف ناشئ عن النقل بالمعنى ...

وخلاصة القضية أن الإمام (ع) عبر المسناة متجهاً نحو الفرات ليشرب الماء ولكن الفرسان المكلفين بحماية الفرات منعوه وقال أحدهم للإمام (ع) لاتمكنوا الحسين من الماء وحولوا بينه وبين الفرات . وقد رجع الإمام (ع) لأن القوم قد منعوه من ذلك ، هذا القول يمكن أعتماده ذلك لأن تسعة من علماء التاريخ أعتمدوه في كتبهم ، ولكن صاحب المقتل المنسوب لم يذكر القضية بهذا الشكل بل أضاف لها الأيثار وثلاثة آلاف فارس معتقداً أن ذلك التصوير هو الذي يضع الحسين (ع) بمكانة اللائق متوهماً بأن ذلك خدش في تاريخ الإمام (ع) ونهضته .

المشكل السابع :

يردد بعض أهل المنابر وخصوصاً في أيام وفاة الزهراء (ع) القول : بأنه لما أنتهى أمير المؤمنين (ع) من غسل وكفن الزهراء (ع) جاء الحسنان يبكيان فأخرجت الزهراء (ع) يداها من الكفن وضمتهما إلى صدرها ... ألخ ان هذه القصة لم تذكر بكتب التاريخ المعتمدة عند العلماء ، ولكنها وجدت في المقتل المنسوب لأبي مخنف نقلها عنه العلامة المجلسي في بحاره ولكنه علق قبل نقله لها قائلاً : ( وجدت في بعض الكتب خبراً في وفاتها عليها السلام فأحببت أيراده وان لم أخذه من أصل يعول عليه ) (2) نشاهد هنا بأن العلامة المجلسي يصرح بأن الكتب التي نقل عنها هذا الخبر غير معتبره ، نعم نلاحظ هذه القصة في المقتل المنسوب لأبي مخنف ذكرها في مصائب الزهراء (ع) ، وقد أحتلت هذه القصة في البحار ستة صفحات آخرها في الصفحة 179 منه ... ونلاحظ أن المجلسي لم يقل وجدتها في مؤلفات أصحابنا وكتبه أنما قال : وجدتها في بعض الكتب ، وهذا ما يدل على أن الكتاب لم يكن معتبراً لديه ولذا لم ينسبه إلى مؤلفات الأصحاب وقد نقله صاحب  المقتل المنسوب عن رجل بأسم ورقة بن عبدالله الأزدي وهذا قد نقله عن خادمة الزهراء (ع) فضة ، وبرجوعنا إلى كتب الرجال لنعرف ترجمة ورقة بن عبد الله الأزدي فلم نجد له ذكراً بها وإليك فهرس بأسماء كتب الرجال التي رجعنا في بحثنا اليها :

1 قاموس الرجال للششتري .

2 معجم رجال الحديث للسيد الخوئي .

3 تنقيح المقال للمامقاني .

4 مجمع الرجال للقهباني .

5 الجرح والتعديل لابن أبي حاتم .

6 تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني .

7 لسان الميزان لابن حجر العسقلاني .

8 ميزان الاعتدال لشمس الدين الذهبي .

هذه الكتب الرجالية من أمهات الكتب في هذا الاختصاص لدى العامة والخاصة ولم نجد فيها ذكر لورقة بن عبد الله الأزدي وربما يكون الأسم من مخترعات صاحب المقتل المنسوب لأبي مخنف الذي ذكر هذة القصة مع غيرها من هذه القصص الكاذبة والمقتل كما هو ملئ بالعبارات النثرية والتكليف غير المناسب مما جعله فاقداً لحدود الفصاحة والبلاغة اللازمة ومن قرء أدبيات العرب بلغتهم أو من له أدنى مهارة في فنونها يجزم بأن القصة موضوعة لا خلاف ... فقد وردت  في هذه القصة مطالب نقلت عن لسان فضة خادمة الزهراء (ع) منها :

1 قولهم أن فاطمة (ع) جمعت الناس في اليوم الثامن من وفاة رسول الله (ص) وأخذتهم عند قبره لتبكي أباها ولما رأت مكان صلاة أباها رفعت صوتها بالعويل والبكاء ؛ وانها قد لازمت البكاء طوال سبعة الأيام الماضية جامعة حولها النساء والرجال ؟

2 قولهم ان الزهراء (ع) قالت في وداع رسول الله (ص) : يا أبتاه ! لقد وقفت لموتك أفلاك السماء عن الدوران . وان الجنة مشتاقة لصلاتك ودعائك .

3 وقولهم أن أهل المدينة جاؤوا لعلي (ع) وقالوا له : والله لبكاء فاطمة على أبيها يمنعنا من قضاء حوائجنا ، ولا نهدء إلى الراحة ليلاً أو نهاراً فقل لفاطمة : أن تختار وقتاً من الأوقات لتبكي أباها ليلاً أو نهاراً ، ولما ذهب علي (ع) ليقول لها عن مقالة القوم  قالت : سأبكي أبي ليلاً نهاراً حتى ألحق به ! .

4 وقولهم أن فاطمة (ع) قالت لعلي (ع) : أن الحسن والحسين سيكونان من بعدي يتيمين غريبين فلا تنهرهما ولا تصح بوجههما ! قلنا سابقاً أن القصة ذكرت بلا سند وأن العلامة المجلسي لم يذكر لها سنداً مع أنه يملك كتباً مصادر ومراجع كثيرة وانه قال : أن الكتاب الذي أنقل عنه هذا الخبرمجهول المؤلف وزمن التأليف ، أضافة لذلك فمتن القصة  لايخلوا من نقاط ضعف واضحة مما يظهر أن مؤلفها لا يملك رصيداً علمياً وأدبياً يؤهله للكتابة في هذه المجالات ، ونشرح هذه النقاط التي ذكرناها سابقاً .

النقطة الأولى :

ما نقل عن فاطمة (ع) قولها : ( ...  بكتك يا ابتاه الاملاك ووقفت الافلاك ... والجنة مشتاقة إليك والدعائك وصلاتك ... ) (1) وإليك تفصيل هذا المقال ضمن بنود هي :

أولاً :

 اذا كان المقصود من كلمة ( الإملاك) هم الملائكة ومفردها ملك وجمعها ملائكة وملائك ولا تجمع ب( أملاك) (1) . ولكنه جاء بلفظة أملاك على وزن أفلاك ليتم له السجع في العبارة .

وثانياً : ماذا يفهم من معنى وقوف الأفلاك عن الدوران ؟ يعني أن وفاة رسول الله (ص) خارجة عن قوانين الطبيعة وارادة الله فوقعت تحت مفهوم الأعجاز بحيث غيرت حركة النظام الكوني وأربكته واوقفت جريانه .

وثالثاً : ماذا تعني عبارة أن الجنة مشتاقة لصلاته ودعائة ؟ وهل أن على الرسول (ص) يجب عليه ان يصلي في الجنة أيضاً ؟ فلو أريد بهذه العبارة ذلك المعنى لوقع التعارض مع قول أمير المؤمنين (ع) : ــ  اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل ــ .

 النقطة الثانية :

قولهم أن أهل المدينة قالوا لعلي (ع) : ( ... أن فاطمة تبكي الليل والنهار فلا أحدٌ منا يتهنأ بالنوم في الليل على فرشنا ولا بالنهار لنا قرارٌ على أشغالنا وطلب معايشنا .. ) (2)  والسؤال الذي يطرح نفسه بالحاح كيف يمكن لبكاء فاطمة (ع) أن يعيق أهل المدينة عن مواصلة أعمالهم ؟ وهل كان صوت فاطمة (ع) يظهر لكي يسمعه الناس ؟ وهل أنه كان أقوى من صدى زحمة العمل اليومي الحياتي ؟ ثم كيف كانت فاطمة (ع) تطلق صوتها بالبكاء حتى تسلب الراحة من أهل المدينة ليلاً ونهاراً ؟ أني لا أجد جواباً عند أصحاب هذه المقالة ما يقنع كل ما أقوله أنه سفسطة تدل على الهذيان والهراء ! وإلا فماذا نسميه ؟

النقطة الثالثة :

قولهم أن فاطمة (ع) قالت للآمام علي (ع) : ( ... فلا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين .. ) (3) ربما كان لا يدري صاحب هذه القصة أن اليتيم في لغة العرب هو الطفل الذي مات والده ، وأما الذي تموت أمه فلا يقال له يتيماً ... وأيضاً الغريب في لغة العرب هو الشخص الذي يبتعد عن بلده وموطنه ومسقط رأسه ، والحسن والحسين (ع) بناءً على مقولات لغة العرب وأصطلاحاتها لا يطلق عليهما باليتيمين لوفاة والدتهم ، لأن الأب وهو الإمام علي (ع) لا يزال حياً وأيضاً فهما ليسا بالغريبين لأنهما لم يتركا المدينة وهي مسقط رأسهما وموطنهما .

النقطة الرابعة :

ورد في القصة ما يسئ للزهراء (ع) اذ أنهم قالوا بانها رفضت التماسهم بالكف عن البكاء واصرت على ذلك كأنها لاتعلم أن أذية المؤمن من الذنوب ، بديهي أن الزهراء (ع) لن ولم ترتكب مثل هذه الحماقة أو تصر على ذنب ترتكبه ... هذه نقاط أربعة تدل على ضغف متن القصة وتظهر أن صاحبها لم يكن على قدر من الكفاية في قواعد اللغة والأحكام والسنن الكونية ونظام الجماعة ، وهذا الضعف في الدلاله يضاف إلى ما في سندها من ضعف يجعلها قصة خاوية بعيدة عن الواقع وحقائق التاريخ  .