نتيجة البحث :

وخلاصة البحث في أمر الصدقة المزعومة هو أن القصة لم تذكر بالكتب المعتبرة والمصادر الموثوقة وأنها وجدت فقط بكتاب المقتل المنسوب لأبي مخنف طبعة بغداد في الصفحة 90 وكذلك بكتاب نور العين ص 41 للاسفرئيني الاشعري وفي كتاب المنتخب للطريحي في المجلس العاشر من الجزء الثاني . وايضاً ذكرها صاحب البحار ج 45 ص 114 ذكره بلاسند ودون ذكر اسم المصدر أوردها مع خبر مسلم الجصاص ، وقد ذكر المحدث القمي أن العلامة المجلسي أخذها عن كتاب المنتخب للطريحي . ضمناً فقد نقلها صاحب كتاب ناسخ التواريخ عن المجلسي (2) .

وهذا لايمكن أعتباره مصدراً مستقبلاً لوحده ، مع أنه يوجد في متن هذه القصة مطلب يدل على أن واضعها ليس من اهل الخبرة والاختصاص . ولأنه يقول : أن الصدقة علينا خرام ... وضعف هذا القول ناشئ من أن الصدقة من غير الهاشمي على الهاشمي ليست حراماً وهذا ما أجمع الفقهاء عليه من العامة والخاصة ، وأن الشئ الحرام هو الزكاة الواجبة من غير الهاشمي ( وهذا ليس ذلك فتدبر ) من هنا يبدو كون الواضع لهذه القصة لا يعرف الحكم الفقهي في هذه المسألة ، وأم كلثوم أجل وأرفع من أن ينسب إليها هذا القول : من هنا يظهر عقم التخريج الذي أتى به صاحب ناسخ التواريخ حلاً للاشكال بقوله : لما كانت الصدقة الواجبة حرام على أهل البيت فقد اعتبرت أم كلثوم جمع الصدقات من المكروهات ... ولكن أصل المشكلة لم يحل بعد أذ أن الأشكال يطرح بهذه الصورة ؛ كيف يمكن  لأم كلثوم أن تقول أن الصدقة حرام علينا وهي تعلم أن الصدقة المستحبة ليست حراماً ؟

مع العلم بأن أهل الكوفة لم يعطوا هذه القصة بعنوان الزكاة الواجبة بل بعنوان هدية وصدقة مستحبة . إذن فجواب صاحب ناسخ التواريخ لم يحل لنا الآشكال وظل مطروحاً كما هو .. أن شهرة هذه القصة بين ألسن الخطباء هو الذي جعلها تنتقل من كتاب إلى أخر ، ومن خطيب إلى آخر لأنها تدر ربحاً مادياً مناسباً وإلا فهي لا ترقى إلى الأخبار الصحيحة تاريخياً وفقهياً وشرعياً ...

المشكل السادس :

ورد في بعض المقاتل قولهم ؛ أنه لما كان يوم عائوراء أصاب الإمام  (ع) عطشاً شديداً فتحرك بجواده نحو الفرات ، فأراد أن يغترف من الماء وأقحم جواده إلى الماء فلم يشرب منه ، فقال الحسين (ع) لجواده لا أشرب حتى تشرب ! ففهم الجواد معنى قول الإمام (ع) فرفع رأسه ؛ ثم ناداه أحدهم أتلتذ بالماء وقد هتكت حرمك ! ولما رجع الإمام (ع) إلى المخيم لم يجد أحداً وعلم أن المنادي كان يكذب عليه ...

ولقد تتبعنا هذه القصة في كتب التاريخ المعتمدة فلم نجد لها من أثر وإليك قائمة بأسماء الكتب التي رجعنا إليها في بحثنا عن هذه القصة :

1 الأرشاد للشيخ المفيد ص 222 ـ  223 طبع قم .

2 تاريخ ابن أعثم ج 5 ص 209 ـ 218 طبع الهند .

3 تاريخ الطبري ج 4 ص 343 ـ  346 طبع ليدن .

4 تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 213 ـ 232 طبع بيروت .

5 تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص 249 ـ 253 طبع النجف .

6 الأمالي للصدوق المجلس 30 من مقتل الحسين .

7 مقتل الخوارزمي ج 2 ص 32 ـ 37  طبع النجف .

8 الاخبار الطوال للدينوري ص 230 ــ 213 طبع قم .

9 روضة الواعظين للفتال النيسابوري ص 188 ـ 189 طبع قم .

10 كشف الغمة للاربلي ج 2 ص 262 ـ 263 طبع ايران .

11 اللهوف لأبن طاووس ص 117 ـ 126  طبع قم .

 12  مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 60 ـ  62  طبع بيروت .

13 مقاتل الطالبيين ص 113 ـ 119 طبع القاهرة .

14 أعلام الورى ص 244 ـ 245 طبع طهران .

15 الكامل في التاريخ لأبن كثير ص 76 ـ 79 طبع بيروت ,

16 البداية والنهاية لأبن كثير ج 8 ص 186 ـ 188 طبع بيروت .

17 الفصول المهمة لأبن الصباغ ص 173 ـ 174 طبع النجف .

18 تاريخ ابن عساكر ص 227 ـ 228 تحقيق المحمودي الجزء الخاص بمقتل الحسين (ع) .

19 أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 200 ـ 205  طبع بيروت .

20 روضة الصفاء ج 3 ص 164 ـ 169 طبع ايران .

فهذه المصادر التاريخية والتي أهتمت بأحداث وقعة كربلاء لم تذكر لنا هذه القصة الكاريكارتيرية التي جرت بين الإمام (ع) وجواده على شط الفرات ، مع العلم انهما كانا عطاشا ولكن القصة قالت أنه لم يشرب منهما أحد . نعم ذكرت هذه القصة في الكتاب الملئ بالكذب للاسفرائيني في الصفحة 35 وقد مر البحث حول الكتاب والكاتب فيما سبق وأثبتنا أنه لا يمكن الاعتماد عليه في أثبات المطالب التي تخص وقعة كربلاء , هذا وقد ذكر القصة كتاب المقتل المنسوب لأبي مخنف وقد مرّ البيان في حالة وذكرها أيضاً ابن شهر آشوب في الجزء الرابع ص 28 عن أبي مخنف من دون التوجه إلى صلاحية هذا الكتاب واعتباره ( اذ وردت هذه القصة في المقتل المنسوب لأبي مخنف طبعة بغداد في الصفحة 77 ومع ان ابن شهر آشوب قد أخذ عنه هذه القصة ولكنه يوجد بينهما أختلاف بسيط بسبب الزيادة والنقصان في محتويات المقتل كما قال الشيخ النوري في كتابه اللؤلؤ والمرجان ص 75 ) ونقل هذه القصة أيضاً صاحب البحار عن المناقب لابن شهر آشوب في الجزء الخامس والأربيعين ص 51 من بحاره . ونقلها فيما بعد صاحب ناسخ التواريخ ج2 ص 379 أما عن البحار أو عن المناقب وأما عن المقتل المنسوب لأبي مخنف ، وذكرها صاحب كتاب منتهى الامال في الجزء الأول ص 284 نقلاً عن كتاب ناسخ التواريخ مع بعض التصرف ..

والظاهر ان مصدر هذه القصة الأول هو المقتل المنسوب لأبي مخنف ونقلت فيما بعد عنه إلى البحار والمناقب وناسخ التواريخ ومنه إلى منتهى الآمال ، بديهي ان وجود مطلب ما في كتب متعددة لا يعني ذلك صحة هذا المطلب .

ولا ريب أن الآشكال يقع فيما لو أخذت هذه القصة دون التوجه إلى مصدرها الأساسي ومنبعها الأول ، فتؤخذ على أنها من المسلمات ، في حين لو علم ان مصدرها هو المقتل المنسوب لأبي مخنف لتردد فيها وعرف انها قصة عارية عن الواقع  ، حيكت بلسان أسطوري خيالي مثيولوجي ، وهي لاترقى إلى مستوى الخبر وأكثر ما تدل عليه انها بمستوى الأشاعة ليس إلا .. وفيها نقطتا ضعف هما :

النقطة الأولى :

ورد في سياقة القصة قولهم : أن ابن سعد وضع على الفرات أربعة الآف مقاتل لمنع الحسين وأصحابه من الورود إليه والاستفادة منه ، في حين تقول المصادر التاريخية الموثقة ؛ أن عدد المقاتلة الذين وضعهم ابن سعد على شريعة الفرات كانوا خمسمائة فارس ، ومن بين تلك المصادر التي ذكرت هذا الرقم كتاب الآرشاد للشيخ المفيد وتاريخ الطبري وأعلام الورى للطبرسي والكامل لأبن الأثير والأخبار الطوال للدينوري أذ قالوا ( .. انه لما بعث عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد أن يمنع الحسين واصحابه من الماء .. بعث عمر بن سعد ، عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا الشريعة ، وحالوا بين الحسين واصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة .. ) (1) في هذا النص نلاحظ ان عدد المأمورين بحماية الشريعة كانوا خمسمائة فارس ؛ في حين يذكر في المقتل المنسوب لأبي مخنف عددهم كان أربعة آلاف فارس مع العلم أنه لم يذكر لنا المصدر الذي أخذ عنه الرقم الإحصائي .

النقطة الثانية :

قولهم : ( ان الإمام (ع) طلب من الجواد أن يشرب فقال الإمام (ع) : لا أشرب حتى تشرب .. ) هذه الحكاية قالوها ليمثلوا فيها صورة الأيثار التي تمت بين الإمام (ع) وجواده ، مع العلم ان الإيثلر يصح أذا كان الماء على قدر رفع حاجة احدهم ، فلا يشرب الأول حتى يشرب الثاني وذلك ما نطلق عليه بالأيثار المحمود . ولكن موضوع الأيثار ينتفي من راس أذا كان الماء أكثر من رفع حاجتهم وانه يكفيهم معاً وزيادة في مثل هذه الحالة لايتحقق الأيثار ؛ كيف ولو كان الماء هو نهر الفرات جميعاً ؟ من صور الأيثار الممدوحة هي ؛ أنه لو أمتلك أثنان آنية لشرب الماء ، وهما قادران على جلب الماء من منبعه ، فيتقدم أحدهما ليأتي بالماء فهذا لابأس به ، وكما يحدث في البيوت عندما ينتظر أهل المنزل سيدهم ليبدأ بالأكل ثم يأتوا من بعده أحتراماً له واجلالاً ..

ولكن لو أعتبرنا أن صاحب كتاب المقتل المنسوب لأبي مخنف يريد من قوله المتقدم رسم صورة مثلى للايثار عند الإمام (ع) كشكل من أشكال الإيمان فهذا لا يصح ، لماذا ؟ لأن الماء الموجود قادر على سد حاجة الإمام (ع) وجواده وكل الناس فيما لو شربوا منه دفعة واحدة . وهنا تنتفي مصاديق الأيثار ، فالأيثار كما هو معلوم له موضوع ينطبق على مصاديق تكون من وحي الواقع لا على خلافه واما لو كان يريد با لأيثار معنى آخر هو أحترام الإمام (ع) للحصان فالعقلاء لا يجدون موضوعاً للاحترام لأنهم أتفقوا لو كان هذا الأيثار متعلق بالأحترام لما ركب الإمام (ع) جواده من رأس ، لأن هذه مقدمة لتلك ، فالشئ الذي لا يتقدمه الإمام (ع) في شرب الماء من باب أولى أن لايجعله مركباً له .. مضافاً إليه فالإمام (ع)  كان في ميدان منازلة وميدان حرب الذي عليه أن يأخذ كل لوازم الحيطة والحذر وأن يستغل الوقت ، وأما هذا الشكل من التعارف فأنه يؤدي حتماً إلى هدر الوقت الذي هو بحاجة إليه والماء حاجة ضرورية للمقاتل من أجل أن يواصل مهامه القتالية بروح عالية وبقوة تجابه الأعداء ، والعطش انهاك للقوى ، وأضعاف للقدرة القتالية له ولجواده .

والآن لو تسألنا كيف يتم كتابة مثل هذه المخاريق ؟ فالجواب يتم على هذا الشكل ؛ أن الكاتب ما أراد بذلك إلا ليثبت للإمام (ع) الفضيلة التي تخرج عن حدود الخيال فالكاتب يريد القول بأن الإمام (ع) شجاع واستطاع ان يهزم أربعة آلاف فارس من على شريعة الفرات ، وأيضاً يريد القول أن الإمام (ع) قدم أيثاراً على نفسه حتى الحصان ، وقد أخطأ التقدير والاجابة لأنها من وحي مخياله الخرافي ذلك لأنه :

أولاً :

أضاف ثلاثة آلاف فارس لعدد الرفسان الخمسمائة المكلفين بحماية الشريعة ، وهذا الجمع البشري الهائل لو رمى كل واحد منهم بسهم واصابه من تلك السهام ألفا سهم لقتلته ، وهذا المعنى على خلاف ما أراده الكاتب وان دل ذلك على شئ فأنما يدل على أنه لم يراع قواعد التأليف واصوله .

ثانياً :

ما صوره الكاتب من رسم كاريكاتيري عن الأيثار ، فلا نجد له موضوعاً لأنه منتفي بحكم كون الماء أكثر من رفع حاجة الأثنين .

الخلاصة :

ان تلك القصة لا وجود لها في كتب التاريخ المعتبرة وقد ذكرنا منها عشرين كتاباً والتي تناولت فيها بالتفصيل أحداث وقعة كربلاء ، وأتضح عندنا بأن القصة لم تذكر إلا في المقتل المنسوب لأبي مخنف المجهول الهوية تأليفاً وسنداً وكذلك بكتاب نور العين للاسفرائيني الاشعري المتوفي سنة 418 هجرية الملئ بالكذب ، وقد أنتقلت هذه القصة عن المقتل المنسوب لأبي مخنف إلى مناقب ابن شهر آشوب ومنه إلى البحار ومنها اإلى ناسخ التواريخ ومنه إلى منتهى الأمال . طبيعي أن تداول هذه القصة في الوسط الشيعي جائت عن طريق هذه الكتب منقولة من واحد لآخر بالألسن وتكرر في مجالس الذكر والعزاء ، ربما لايحتمل أحد من الخطباء بأن يقال أن هذه القصة لا أصل لها ، ولم تتكفل كتب التاريخ المعتمده في نقلها وهم بداهة لا يكلفون أنفسهم بمشقة التحقيق .

تنبيه :

لو أفترضنا جدلاً ان الماء الذي كان بمقدار رفع حاجة أحدهم من العطش أما الإمام او الحصان ، فهل يلزم أن يطبق الإمام (ع) قاعدة ومبدأ الأيثار ؟ وماهو العمل المعقول والصحيح ؟ .

ان قاعدة الأهم والمهم تفترض أن يشرب الإمام (ع) حفاظاً على نفسه من الهلاك وان أدى ذلك إلى هلاك الحصان ، هذا الأحتمال فقط مع كون الفرض تم بهذا الشكل : أن ماء الفرات يكفي فقط لرفع حاجة احدهم من العطش . والواجب في مثل هكذا أفتراض أن يشرب الإمام (ع) ولا يحق له أن يقدم الحصان على نفسه .