رسالة في الفتاوى والأحكام

 

المقدمة

 


نزولاً عند رغبة المحبين والأصدقاء ونظراً للحاجة الضاغطة في بيان مسائل الشرع وما يبتلى به الناس في العادة ، قررنا وبعد الإتكال على الله أن نُقدم هذا الرسالة في الفتاوى والأحكام ، أملين أن تُلبي الغرض المؤمول منها وتسد الحاجة المتزايدة ، لفقه جديد غير ذاك الفقه الذي ألفه الناس ، ونظن إنها حاجة نابعة من الواقع وما يحتاج إليه المرء في سلوكه وعمله وفقاً لمباني الشريعة وأحكامها .

 

وكان ثمة حاجة رأيناها بعيون المريدين لتكون هذه الرسالة غير التي ألفها الناس من الرسائل والكتب الفقهية والشرعية القديمة ، ويجدر بنا ونحن في مجال إستنباط الأحكام أن نُشير إلى الطريقة التي أتبعناها في هذا المجال ، فنحن قد أستبدلنا طرق الإستنباط القديم ، أعني تلك الطرق التي أسسها الإمام الشافعي ، وبإعتقادي إنها ماعادت تنفع أو تُلبي ، إذا ما أردنا فقهاً واقعياً وعملياً وقريباً من العصر الذي نحن فيه ، فالفقه كما نظن يخضع هو الأخر إلى التطوير والتجديد ، طالما نريد منه حلاً لقضايانا التي نعيشها ، وهذا يلزم ان لا نعتبر قضاياه ومسائله مُنزلة أو تاريخيه أو هي من الماضي ، والواجب يقتضي تغيير في قواعد الإستنباط وليس ترتيب لقواعد الإستنباط ، فقواعد الإستنباط القديمة لايمكنها أن تنتج فقهاً جديداً كما نظن ، ومعظم المعتمدين على طرائق الإستنباط القديمة إنما يدورون في حلقة مفرغة ، يكثر فيها التكرار والإعادة والنسخ عما سبق ، ولهذا يمكننا القول بان الذي بين أيدي الناس لايمكنه تلبية الحاجة المطلوبة منه ، وكل الرسائل والكتب الفقهية مكررة أو منسوخة وهذا واضح لمن قرء كتب الفقه .


ولقد قلنا في غير مناسبة إن الإجتهاد المُدعى هو إجتهاد مزعوم !!!! ، ذلك لأن القائلين به أو المتصدين له إنما يكررون فعل وعمل من سبق ، وهذه ليست حسنة يمكن ان تحسب لهم أو تسجل في ميزان أعمالهم ، وبما إننا من دعاة الإجتهاد في النص فهذا لازمه ان يكون الإجتهاد في كل العملية الفقهية من اصول الفقه وفروعه من حيث أو بالنسبة ، فاصول الفقه القديمة كما رتبها الشافعي هي أربعة وعلى النحو التالي : [ الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والعقل أو القياس ] ، والتي هي أدلة الإستنباط القديمة والمعمول بها لحد اللحظة ، والغريب إن القوم جميعاً ساووا بين هذه الأدلة من حيث القدرة على التشريع ، وهذه مغالطة لا تغتفر إذ لا يجوز مساوات الكتاب المجيد القطعي الصدور القطعي الدلالة بالسُنة النبوية المظنونة الصدور المظنونة الدلالة ، كما لايمكن مساوات هذه بالإجماع ، أما العقل فملاك مستقل هو الدال على الكتاب فالعقل هو القادر وحده على تحريك النص ومطابقته للواقع فهو الدليل الدال على الكتاب من جهة الثبوت ومن جهة الإثبات ، و بما إن ذلك كذلك فيلزم التصريح بوجوب تعطيل السُنة في إستنباط الحكم الشرعي أو جعلها بمثابة الحكم الشرعي نفسه ، فالتعطيل الذي ندعوا له هو تعطيل دليليتها كتشريع مستقل ، وهذا لايعني إلغاء السُنة بل إعتبارها أو جعلها مساندة وعاضدة ولا حقة ، نقول مساندة وعاضدة ولا حقة ونعني بذلك القول : الإستفادة منها في الأستئناس والدعم ودورها هنا ثانوي وليس مؤوسس ، ذلك لأنها في الأصل عبارة عن روايات وأخبار مظنونة من جهة الصدور ومتأخرة من جهة التاريخ والإعتبار ، ولهذا لايجوز أن تكون دليلاً في التشريع وإن سلمنا بصحة البعض منها ، فتشريع الأحكام خاصية إلهية محضة وهي ليست من صفات الرسول وخواصه ، إذ لايجوز ان نعطي للرسول دوراً في تأسيس الأحكام وتشريعها ، فالرسول حسب منطوق النص هو منفذ وشارح ومبين للنص ، وبيان النص هنا متعلق بفهمه هو ضمن ظرفي الزمان والمكان ، فهو بيان موقت وليس بيان دائم ، وأما صحة التنفيذ منه فمرهونة بعوامل التصحيح التي يدخل فيها العامل التاريخي والعامل الرجالي والعامل المعنوي وهو المهم ، وفي حال صح المعنى فالمعنى الموافق للنص هو للأستئناس الذي يؤخذ بعد الحكم وليس سابقاً له ، وأما الإجماع بشقيه فهو ليس دليلاً كونه معلوم المستند ، ومستند الإجماع هو الروايات والأخبار وفهم طائفة من الناس هذه الروايات في زمن ما ليس حجة دائماً وعلى طول الدهر ، لأن ذلك إن قيل به يعني نفي للإجتهاد نفسه ، وحجية الإجماع باطلة على اللاحق والتالي مادام المستند معلوم ، وأصل الإجماع هو دليل سلطاني وليس دليلاً شرعياً .


وحين يكون ذلك كذلك تسقط كل هذه الأدلة المُدعاة ، ويكون الدليل الشرعي الوحيد هو الكتاب المجيد ، والحاكم على هذا الدليل هو العقل ، من جهة الصحة والمطابقة والموافقة ، ولفظ الحاكم هنا نُريد به معنى المشير ذلك لأن الكتاب في ذاته صامت وغير متحرك ، والذي يستطيع تحريكه وتفعيله هو العقل ، من هنا كان العقل هو الحاكم وهو المصحح وبه يعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ ، وعلى هذا الأساس تكون فتاوانا وأحكامنا من الكتاب ولا غير .


والله أسأل أن يمدني بأسباب القوة والسداد والرشاد ، ومنه أستمد عوني ومباركتي ، راجياً ان يقع عنده مورد رضا وتلك هي غاية مُناي ، فالعمل وفق هذه الرسالة مجزي ومبري للذمة إنشاء الله تعالى   ..


[ ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا مالاطاقة لنا به ، وأعف عنا وأغفر لنا وأرحمنا أنت مولانا ... ]

 

15 شعبان- 1431 هجرية